عثمان بن جني ( ابن جني )
51
الخصائص
ويمكننا أن نعلل لفك الإدغام في الآية الأولى بالنظر إلى سياقها فهو سياق ترغيب في اتباع الرسول ، وبيان أنه شرط لثبوت الادعاء بمحبة العبد لربه ، ووعد بالجزاء الحسن على تلك المحبة وذلك الاتباع ، وقد جعل اللّه تعالى الجزاء من جنس العمل ، فجعل جزاء هؤلاء الصادقين في محبته ، محبة مضاعفة منه سبحانه لهم فكان في فك الإدغام في الباء المشددة ما يشعر بمضاعفة محبته تعالى وبسطها ومدها لمن أحبه واتبع رسوله . كما أن لهذا الفك معنى آخر نستطيع أن نستشفه من الآية وهو أن في لفظ يحببكم بفك الإدغام من الرقة ما ليس في اللفظ المدغم ، فالناطق بالكلمة بهذه الطريقة يستشعر - وللّه المثل الأعلى - في اللفظ تدليلا وتنعيما للمخاطبين ، كما يوحى قرب مخرج الباء الشفوية بتقريبهم ، كما يوحى إسكانهم بما في هذه المحبة من طمأنينة القلب وسكينته . أما في آية المائدة التي جاءت على الإدغام فقد كان الإدغام أنسب لسياقها لكونها تتحدث عن الجهاد في سبيل اللّه ، وهذا سياق يناسبه التشديد والخشونة فمن ثم جاءت الكلمة مدغمة إظهارا لذلك التشديد . ومن مواضع العدول الصوتي العجيبة في القرآن الكريم كذلك لفظ ( يهدى ) في قوله تعالى : قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ يونس : 35 ] . ونظرا لأننا سوف نختم البحث بهذه الآية فإننا سوف نتعرض لما فيها كذلك من ظاهرة اختيار صوتي للمد وتركه في هذه الآية ، بالإضافة إلى ما فيها من عدول في لفظ ( يهدى ) . حيث نلاحظ المد في قوله تعالى : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ حيث يجوز مد الياء من يهدى لوجود سببها وهو الهمزة بعدها ، بخلاف يهدى الثانية في قوله تعالى : يَهْدِي لِلْحَقِّ حيث يمتنع المد لامتناع سببه ، وكذلك يجوز المد في يَهِدِّي إِلَّا لوجود الهمز بعد الياء ، ويمتنع في ( يهدى ) . وإذا تأملنا أولا : أسباب اختيار المد في مواضعه في الآية مسترشدين بالسياق ، وجدنا ذلك التناسق العجيب بين الآية بسياقها وما احتف بها من دلالات أخر صوتية ومعجمية وصرفية ونحوية . فالآية إنما تعقد مقارنة بين هداية اللّه تعالى لأوليائه ، ومن ثم استحقاقه للعبودية ،